علي بن محمد الليثي الواسطي
146
عيون الحكم والمواعظ
أبصر إليها أعمته ومن أبصر ( 1 ) بها بصرته . - إن الدنيا خيرها زهيد وشرها عتيد ولذاتها قليلة وحسراتها طويلة ، تشوب نعيمها ببؤس وتقرن سعودها بنحوس وتصل نفعها بضر وتمزج حلوها بمر . - إن الدنيا تعطي وتمتنع وتنقاد وترتجع وتوحش وتؤنس وتطمع وتؤيس ، يعرض عنها السعداء ويرغب فيها الأشقياء . - إن الدنيا ربما أقبلت على الجاهل بالانفاق وأدبرت على العاقل مع الاستحقاق ، فإن أتتك منها سهمة مع جهل أو فاتتك منها بغية مع عقل فإياك أن تحمل ( 2 ) ذلك على الرغبة في الجهل والزهد في العقل فإن ذلك يزري بك ويرديك . - إن للدنيا مع كل شربة شرقا ومع كل أكلة غصصا ، لا ينال المرء منها نعمة إلا بفراق أخرى ولا يستقبل منها يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله ولا يحيى له فيها أثر إلا مات لها أثر . - إن الدنيا عيشها قصير وخيرها يسير وإقبالها خديعة وإدبارها فجيعة ولذاتها فانية وتبعاتها باقية . - إن الدنيا دار أولها عناء وآخرها فناء ، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن . - إن الدنيا دار شخوص ومحلة تنغيص ، ساكنها ظاعن وقاطنها بائن وبرقها خالب ونطقها كاذب وأموالها محروبة وأعلاقها مسلوبة وهي المتصدية للعيون والجامحة الحرون والمانية الخؤون . - إن الدنيا تدني الآجال وتباعد الآمال وتبيد الرجال وتغير الأحوال من غالبها غلبته ومن صارعها صرعته ومن عصاها أطاعته ومن تركها أتته . - إن الدنيا تخلق الأبدان وتجدد الآمال وتقرب المنية وتباعد الأمنية كلما اطمأن منها صاحبها إلى سرور أشخصته منه إلى محذور . - إن الدنيا غرارة خدوع معطية منوع ملبسة نزوع لا يدوم رخاءها ولا ينقضي
--> ( 1 ) ت : بصر . في الموردين . ( 2 ) وفي الغرر : يحملك . وهو الصواب .